مدونات الملف برس | المدونة التالية »
انشاء مدونة الكترونية | تسجيل دخول
مقالات احمد هاشم الحبوبي
الرئيسية
4 إرهاب
مقالات | 21-07-2010

 

   في بدايات العام 1980، في أوج الحملة الأمنية على حزب الدعوة، القي القبض علي أنا وأربعة أصدقاء بتهمة الانتماء لهذا الحزب بعد عملية مطاردة مثيرة هربنا فيها من سيارة شرطة مرورية حاولت إيقافنا للتثبت من امتلاك سائق السيارة لإجازة قيادة السيارة. ولكن سائقنا العتيد اختار الإفلات من سيارة الشرطة وكاد ان ينجح لولا انه قرر فجأة الوقوف والاستسلام. وبمجرد وقوف سيارتنا، نزل أفراد الشرطة وانهالوا علينا جميعا بالضرب المبرح، وساقونا الى مركز شرطة المنصور ليتموا العلقة الساخنة جدا وهم يأمروننا بالاعتراف بأننا منتمون لحزب الدعوة. وبعد ان أتموا احتفالهم الوحشي، بدأوا باستجوابنا، واكتشفوا ان اثنين منا مسيحييْن، وان السيارة خالية من أية قطعة سلاح أو منشورات، وانّ الأمر لم يعدُ عن مجموعة مراهقين أساءوا التصرف. ولا أخفيكم سرا، ان حصتي من الضرب والشتم كانت أكثر من جميع رفاقي لأنني كنت سليط اللسان واعترضت على القسوة التي عاملونا بها. ولكن في نهاية الأمر أطْلِقَ سراحنا وعدنا الى بيوتنا في نفس الليلة، فرحين من خلاصنا من تهمة الانتماء الى حزب الدعوة التي كانت عقوبتها الإعدام.

 

   وبمرور الأيام، نسينا الحادثة وما رافقها من الآم، وبتنا نتذكرها في فترات متباعدة من باب التندر المرير، الى ان نسيناها نهائيا وخَرَجَتْ من قاموس الذكريات. ولكنها [الحادثة] عادت لتطرق ذاكرتي بعد ان عَرَضَتْ شاشات التلفزيون مقاطع لبعض الموقوفين في سجن مطار المثنى اللذين لم تتعد أعمارهم الثمانية عشر ربيعا التي لم أكن ابلغها حين القي القبض عليّ أنا وأصدقائي حينها. ومن باب الصدفة، فان ولدي البكر قد بلغ السبعة عشر ربيعا قبل شهرين، وتخيلت ما كان سيحدث لي لو انه كان واحدا منهم.

 

   أما الذي أرعبني اكثر وأصابني بالدهشة والحزن، فهو ان القائمين بالحكم الآن هو حزب الدعوة الذي كان الكثير من كوادره من ضحايا تعسف النظام السابق وظلمه. انني لا استطيع ان استوعب كيف قـَبِل السيد نوري المالكي، رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة، وجود مثل هذا السجن ونحن ما زلنا الى يومنا هذا نحاول إنصاف ضحايا النظام السابق ونحاول إعادة حقوقهم وكرامتهم. وللأمانة، فان رئيس الوزراء أمَرَ بإغلاق السجن وتحويل نزلائه الى سجن التسفيرات وطلب من السلطة القضائية الإسراع في النظر بقضايا الموقوفين وحسمها بسرعة لتقليل مدة حبسهم. وهذه إجراءات مفيدة ومهمة، ولكنها ليست كافية لحماية القاصرين منهم بالذات من الاحتكاك بمجرمين محترفين يستخدمون السجون في التجنيد وغسل الأدمغة، وأثبتت التجربة ان السجون كانت أرضا خصبة لتجنيد بعض الموقوفين من قبل المجرمين والإرهابيين، وهذا يبين ضرورة عزل القاصرين عن الكبار في السجون، وهو اقل ما يجب ان تنتبه إليه الجهات المسئولة.

 

   لا أدعي براءة هؤلاء الفتية، ولكنني أرى انهم يستحقون معاملة خاصة كونهم ليسوا راشدين، مهما كان جرمهم، هذا إذا كانوا أجرموا أصلا لأنّ القضاء لم يقل كلمته بشأنهم بعد. وأين ما ندعيه من سيادة القانون ونحن نسمع شهادات أولئك الموقوفين اللذين يقولون انهم تعرضوا للتعذيب والاغتصاب. والشيء الغريب هو أداء وسائل الإعلام، حيث أهملت غالبيتُها معاناةَ أولئك القاصرين وركزت على سرية السجن من عدمها، وكأنّ هذا الأمر أهم من عذابات نزلائه ومعاناتهم. ولم تمر سوى فترة قصيرة حتى نُسِيَ الموضوع ووضِعَ على رفوف النسيان، وهو أمر طبيعي في بلد يقتل فيه الناس بأعداد تفوق أعداد الحشرات التي تموت في بلدان أخرى، والمآسي تتوالى عليه وتتفاقم يوما بعد يوم. امّا سياسيينا ومسئولينا الشطّار، فقد اهتموا بالتركيز على الانتماء الطائفي لنزلاء السجن وحاولوا استثمار القضية سياسيا فحولوها الى حطب يزيد سعير الاستقطاب الطائفي الذي بدأت أنيابه ومخالبه في النمو من جديد بعد الانتخابات النيابية. ولم نسمع من أي منهم تصريحا منتجا يعالج القضية بشكل عملي وبناء.

 

   ان القوات الأمنية تلقي القبض على أعداد كبيرة من المواطنين بسبب اعترافات تحت التعذيب أو لوجودهم قرب أماكن تعرضت لهجمات إرهابية أو بسبب (بعض) إفادات المخبر السرّي الذي خَبِرْنا جوره أيام النظام السابق أيضا، وبالذات في الأيام التي تلت الانتفاضة الشعبانية، حيث سمعنا عن ممرضة تعرفت على اكثر من مائة شخص، ادَّعَتْ انهم كانوا من المشاركين في الانتفاضة، الأمر الذي أثار ريبة المحققين، فتم الاتفاق فيما بينهم على ان يعرضوا احد أعضاء اللجنة التحقيقية لتلك الممرضة للتحقق من صدقها. وحين عُرِضَ عليها، أكّدت لهم انه كان من المشاركين في الانتفاضة، فاكتشفوا كذبها، ولكنهم كانوا متأخرين جدا حينها، لأنّهم كانوا بالفعل قد اخذوا بأقوالها وساقوا اكثر من مائة شخص الى ساحات الإعدام بسبب شهاداتها التي ثبت بطلانها لاحقا. وطبعا لم تصل الأمور الى هذا الحد في زمننا هذا، ولكن هناك ضحايا يفقدون كرامتهم وسنوات من عمرهم بسبب بلاغات كاذبة شبيهة ببلاغات تلك الممرضة، أو بالتعسف في استعمال المادة 4 إرهاب التي عادت من جديد الى واجهة الأحداث بسبب وفاة سبعة موقوفين وفقا للمادة المذكورة خنقا أثناء نقلهم من سجن الى سجن آخر، حيث حشروا في عربات معدنية لا تتناسب مع عددهم مما أدى الى اختناق اثنين وعشرين واحدا منهم، توفي منهم سبعة، وهو حادث يذكرنا بالطريقة التي كان النازيون يسوقون فيها ضحاياهم الى معسكرات الاعتقال. 

 

   لقد أعلنت الجهات الأمنية إلقاء القبض على أبي عمر البغدادي وقتله بضعة مرات قبل ان يُقتل هو وأبو حمزة المصري فعلا. وحين حصل ذلك، كان هناك شخص قيد التوقيف قد اعترف بأنه هو أبو عمر البغدادي وانه هو المسئول عن بعض التفجيرات الإرهابية وانه كذا وكذا، الأمر الذي دفع بناطق مخول باسم وزارة الداخلية ان يخرج على الملأ  وينكر مقتل البغدادي لأنه موقوف أصلا لدى القوات الأمنية، ولدينا أمثلة عديدة على جرائم إرهابية اعترف أكثر من شخص وأكثر من جهة بتنفيذها. وأدى تكرار تلك الحالة الى اهتزاز مصداقية الناطقين الإعلاميين الأمنيين وصرنا لا نصدق بأي خبر إلاّ بعد ان يؤكده الأمريكان.

 

ان الإرهابيين شرسون ولا يرحمون، فهم يستهدفون الأبرياء وبُنى الدولة التحتية ودوائرها وكل شيء يمس حياة المواطن، ولكن ذلك لا يعني ان نبرر لأنفسنا ظلم المواطنين الأبرياء، وبالذات القاصرين منهم.

New Page 2

أضافة تعليق أخفاء النموذج

صقر العراق | 22-07-2010

امل الجنابي | 22-07-2010
استضافة وتصميم وبرمجة  ويب اكاديمي     جميع الحقوق محفوظة لمدونة مقالات احمد هاشم الحبوبي©2009     

MUDAWN@ 1.0.0 Powered by web academy